يطلق مفهوم القرون الوسطى -التي تعرف أيضا بالعصر الوسيط- على حقبة تاريخية مضت من عمر الزمان من القرن5م إلى القرن 15م، وهي عشرة من القرون من الزمان البشري بدأت بالغارات الجرمانية البربرية الكبرى بقيادة الجرمان الذين اكتسحوا الشمال الغربي ووسط أوربا، والهون Huns الذين اكتسحوا شرق أوربا وانتهت العصور الوسطى بفجر النهضة الأوربية الحديثة. غير أن هذا التحديد الزمني هو فقط وليد المدرسة التاريخية ومنها مدرسة الحوليات وذلك لتيسير الدراسة وتقريبها إلى الأذهان من لدن الباحثين المعاصرين. لكن المؤرخين القروسيطيين لم يدر في خلدهم ولم يذكروا في مؤلفاتهم القرون الوسطى منطوقا ومفهوما، بل كتبوا حول عصرهم كعصر حديث ومتقدم عن العصور القديمة، لذلك ظهرت في مؤلفاتهم دعوة إلى التغيير والتحديث – تماما كما هو حالنا اليوم- باستعمال مصطلحات تعبر عن نبذ الماضي ومخلفاته، مثل مصطلح الحداثة ومصطلح التقدم وهما مصطلحان أجوفان خاليان من أي معنى باعتبار أن كل مجتمع حديث في عصره متقدم على ما قبله، فرجال العصر الوسيط الذي ننعته اليوم بعصر الظلمات كانوا حداثيين ومتقدمين حسب زمانهم ومكانهم، ولذلك نجد في مؤلفاتهم أن التاريخ ينقسم إلى قسمين: عصر قديم وهو عصر الإغريق والرومان، وعصر حديث وهو العصر الذي يبدأ مع ولادة السيد المسيح عليه السلام، أي ما عرف فيما بعد بقبل الميلاد وبعد الميلاد، فمثقفو القرون الوسطى كانوا يتباهون بحضارتهم واكتشافاتهم مقارنة مع سابقيهم، ولذلك فلا نستبعد أن يأتي بعد قرون من عصرنا هذا من يصفه بعصر الانحطاط وعصر الحروب والاضطرابات وهيمنة القوة العظمى المتمثلة في القطب الوحيد أمريكا ومن ساندها من الدول الإمبريالية، ولهذه الأسباب فلا عبرة بنظرية المؤرخ الياباني الأصل الأمريكي الموطن فوكوياما حول نهاية التاريخ، بمعنى أن التاريخ خرج من دورته الحلزونية إلى خط تاريخي مستقيم تسيطر فيه وتسيره إملاءات إدارة البيت الأبيض الأمريكي لفرض الديمقراطية والحداثة على دول العالم الثالث ومنها مشروع الشرق الأوسط الكبير. والواقع أن التاريخ كالقطار له نقطة انطلاقة ومحطات للوقوف وسيصل إلى النهاية بانتهاء العالم.
ومن بين المحطات التي توقف فيها التاريخ محطة ما اصطلحنا عليه نحن بأوربا من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر، وسميت في جل الكتابات التاريخية بالعصور الوسطى

إرسال تعليق