إن تمتع
المغرب بوضع
جغرافي
متميز، وشهرة
ثراء مصائده
البحرية جعله
موضوع أطماع
مختلف الدول
الأجنبية
وعلى رأسها
إسبانيا
والبرتغال.
ومنذ القرن
الخامس عشر
سيكون من بين
أهداف
المخططات
الاستعمارية
لهاتين
القوتين
البحريتين،
هو تمكين
أساطيل صيدها
من احتكار
استغلال
الموارد
السمكية
للسواحل
المغربية،
وما ترتب عن
ذلك من تقويض
لنشاط الصيد والحياة
الاقتصادية
لمجموعة من
الموانئ المغربية.
وفي نفس الوقت
كان عامل
السيطرة على الموارد
السمكية من
العوامل التي
حركت الأطماع
البرتغالية
والإسبانية
لاقتطاع
أجزاء من
التراب
المغربي، بل
وأحياناً كان
هو العامل
الأساسي
لاحتلال بعض
الموانئ
المغربية، أو
لإنشاء مراكز
على طول
الساحل
المغربي
واستغلالها فيما
بعد كقاعدة
لبسط سيطرتها
نحو الداخل([1]).
غير أن دراسة
التاريخ من
هذه الزاوية
(الصيد البحري)
تعد عملية
صعبة، ذلك أن
التاريخ
البحري
للمغرب ظل
عموماً،
ولمدة طويلة،
بعيداً عن انشغال
المهتمين
بالدراسات
التاريخية([2]). وحتى
الأبحاث
القليلة التي
اعتنت
بالتفاعل الموجود
بين المغرب
والبحر عبر
التاريخ فإنها
كانت تتوقف
عند دراسة
الجانب
الحربي والتجاري
للنشاط
البحري
للمغرب فقط([3])، دون
التطرق إلى
الجانب
المتعلق
بالصيد البحري.
وعلى كل حال
فإن رصد
المسار
التاريخي
للاهتمام
الأيبيري بالصيد
في المياه
المغربية،
سيبين لنا كيف
أن النشاط
الزائد الذي
عرفته بعض
موانئ الصيد المغربية
سيوجه نحوها
أطماع كل من
الإسبان
والبرتغاليين
(أولاً)،
الذين سيعرفون
كيف يستفيدون
من الموقع
الجغرافي القريب
لبلدانهم،
ليحتدم
التنافس فيما
بينهما
للانفراد
بالسيطرة على
المصائد
المغربية
(ثانياً)،
ليحسم هذا الصراع
في النهاية
لصالح
إسبانيا التي
ستوظف عامل
الصيد لتنفيذ
سياستها
الاستعمارية
تجاه المغرب
(ثالثاً).
أولاً:
اقتصاد الصيد
المغربي
وبداية
الأطماع
الأيبيرية
من المؤكد
أن ثراء
السواحل
المغربية
بموارد الصيد
كان معروفاً
لدى المغاربة
الأقدمين،
فقد خلد
الإنسان المغربي
بعض أنواع
الأسماك على
رسومات الأحجار
ولوحات
الفسيفساء
الباقية إلى
حد الآن([4]).
وحسب بعض
الكتاب
القدماء،
الذين أورد
محمد التازي
سعود
شهاداتهم،
فقد تعاطت
العديد من المدن
المغربية
الساحلية -
منذ القديم -
لصيد العديد
من أنواع
السمك التي
كانت تعج بها
المصائد
المغربية([5]).
كما أن النشاط
البحري
المكثف الذي
عرفه المغاربة
نتيجة
اتصالهم
بالشعوب
البحرية
سيتعزز عقب
الفتح
الإسلامي
للمغرب. إذ
وجد المغاربة
أنفسهم
ملزمين
بتشكيل أسطول
عسكري للدفاع
ضد الغزو
الأجنبي،
وأسطول تجاري
لتأمين
التبادل
التجاري،
وأسطول صيد
يمكنهم من
تلبية
حاجاتهم
الغذائية.
صحيح
أن الموارد
الفلاحية
كانت تغني
المغاربة في
الغالب عن
اللجوء إلى
الموارد
البحرية، وأن
الملاحة في
الساحل
الأطلسي كانت
صعبة وشاقة
لانعدام
المخابئ
الطبيعية،
ووجود أمواج
عاتية تعرقل
إبحار ورسو
السفن خصوصاً
في الشهور
المطيرة، ومع
ذلك فمنذ
القرن الحادي
عشر إلى القرن
الخامس عشر
الميلادي
كانت هناك عدة
موانئ صيد
تنتشر على طول
السواحل
المغربية
المتوسطية
والأطلسية.
وإذا كان
بعض الكتاب
الاستعماريين
ينفون وجود
حياة بحرية في
التاريخ
المغربي، بل
اعتبر أحدهم
أن الحضارة
البحرية
المغربية ما
هي: «إلا
حادث عابر من
صنع الأجانب»([6]). غير أن
الرجوع إلى
بعض المصادر
المغربية تمكننا
من نفي هذا
الادعاء، فقد
أورد الرحالة
المغربي
المشهور
الشريف الإدريسي
في كتابه "نزهة
المشتاق في
اختراق
الآفاق"،
تفاصيل عن
مختلف أوجه الحياة
في المغرب
خلال القرن
الثاني عشر
وما قبل، ولم
يغب عن باله
الإشارة إلى
ما كانت تعرفه
بعض الموانئ
المغربية من
نشاط صيد،
بفضل ثراء
المياه
المغربية
بالموارد
البحرية من مختلف
الأصناف،
وكذلك لخبرة
وحنكة
الصيادين المغاربة
باستغلال هذه
الموارد
وتصنيعها وتسويقها([7]).
وهو ما
أكده
الجغرافي
المرموق
الحسن الوزان في
كتابه "وصف
أفريقيا"،
حيث عند تطرقه
لمختلف مظاهر
حياة المغاربة
خلال القرن
الخامس شعر،
فإنه لم تفته
الإشارة إلى
اعتماد بعض
المدن
المغربية في
اقتصادها على الصيد.
فهو يصف مثلاً
مدينة (ترغة)
قائلاً بأنها:
«مدينة
متوسطية تبعد
عن المضيق
بثمانين
ميلاً سكانها
يمارسون
الصيد
ويملحون ما
يصطادونه من
سمك ويبيعونه
لتجار الجبل،
ويحمل إلى مسافة
تناهز مائة
وعشرين ميلاً
في داخل
البلاد»([8]).
ونشاط الصيد
الذي يتعاطاه
سكان هذه
المدن قد تزداد
أهميته خاصة
في المناطق
الجغرافية التي
تفتقر إلى
الموارد
الفلاحية حيث
يجد سكانها في
المنتوج
السمكي
الوفير،
الغذاء
الضروري
ومادة صالحة
لتسويقها في
المدن
الداخلية،
كما هو الأمر
بالنسبة
لمدينة (بادس)
التي كان أغلب
سكانها
يمارسون الصيد([9]).
بالإضافة إلى
صيد السمك
اختصت موانئ
أخرى بنشاط
بحري معين، مثل
مدينة مليلية
التي كان
قديماً يصطاد
في مرساها صدف
اللؤلؤ([10]).
وقد عرفت
موانئ مغربية
أخرى صناعة
سمكية نشيطة
في مصبات
الأنهار
كمدينة سلا،
التي كان مصب
وادي أبي
رقراق غنياً
بموارده
السمكية، كما
يؤكد ذلك
الشريف
الإدريسي([11]). وقد
اشتهر في هذا
المضمار
ميناء أزمور
الذي يقع على
مصب نهر أم
الربيع، فمنذ
القدم اختص
سكان هذه
المدينة في
صيد (الشابل alose)
الذي كان أحد
الموارد التي
يتاجرون فيها
مع البرتغاليين،
كما أورد ذلك
الحسن الوزان([12]).
وهكذا تؤكد
هذه الشهادات
التاريخية
المغربية
ثراء المصائد
المغربية،
وتنوه
بازدهار صناعة
الصيد التي
كانت تتميز
بها بعض
الموانئ المغربية،
مما أهلها إلى
إقامة علاقات
تجارية
لتزويد
الأسواق
الداخلية
والاتجار مع
الأجانب([13]). إلا أن
هذه الخيرات
التي كانت
تنعم فيها هذه
المدن
ستجعلها
مستهدفة من
قبل القراصنة
الأوربيين،
فعند حديث حسن
الوزان عن
مدينة (يليش)
وهي مدينة
تبعد عن بادس
بستة أميال،
فإن ميناء هذه
المدينة
الجيد «والذي
كانت تلتجئ
إليه السفن
الكبرى
الذاهبة إلى
بادس عندما
يهيج البحر
فإن هذه
المدينة في
أيامنا هذه
مهجورة بسبب
القراصنة
الإسبان»([14]).
وكان الوضع
الأخطر من
عمليات
القرصنة، هو
تعرض الموانئ
المغربية
للغزو
والاحتلال
الأيبيري،
مثل احتلال
مدن سبتة([15])، وترغة
وآسفي وأزمور.
إذ يذكر الحسن
الوزان بأن
البحارة
البرتغاليين الذين
يؤدون رسوم
الصيد في
ميناء أزمور
قد: «تمكنوا
في النهاية من
إقناع ملك
البرتغال بالاستيلاء
على المدينة
فأرسل
أسطولاً
يتركب من سفن
عديدة، لكنه
انهزم بسبب
قلة خبرة
قائده، وغرقت
معظم السفن
وقد أعاد ملك
البرتغال
الكرة على
أزمور فأرسل
إليها بعد
سنتين
أسطولاً آخراً،
متركباً من
مائتي سفينة،
فلم يكد يراه السكان
حتى خارت
قواهم...»([16]).
وبطبيعة
الحال كان من
النتائج
المباشرة لهذا
الغزو، القضاء
على هذه
الحياة
البحرية
النشطة، إذ أن
مدينة ترغة
مثلاً: «التي
انضبطت وكثر
سكانها، لكن
منذ أن وطئتها
أقدام
البرتغاليين
(سنة 1502)
أخذت تنحط
سواء في
مظهرها أو في
عدد سكانها»([17]).
ثانياً:
التنافس
البرتغالي
الإسباني حول
المصائد
المغربية
منذ القرن
الخامس عشر أصبحت
مكانة القوى
البحرية خاصة
البرتغال وإسبانيا
تتعزز، في حين
كان المغرب
يعيش أزمة خلافة،
تحول الأمر
بعدها إلى
وصول الدولة
الوطاسية إلى
الحكم. ولم
تكن هذه
الظروف لتساعد
المغرب على
الوقوف في وجه
التحرشات
البرتغالية
والإسبانية
ضد المدن
والشواطئ
المغربية.
وقد تنوعت
العوامل التي
شجعت
البرتغاليين
والإسبانيين
على محاولة
الاستيلاء
على نقط في السواحل
المغربية.
فإذا كان
للعامل
الديني والعامل
السياسي دور
كبير في بداية
الأمر، فإن العامل
الاقتصادي لم
يقل أهمية بل
تزايد دوره مع
مرور الوقت
واتساع المد
الاستعماري.
وبالإضافة
إلى شهرة
المغرب
بموارده
الفلاحية
كالقمح،
وانتشار
الأخبار عن
الكميات
الكبيرة من الذهب
التي تجلبها
القوافل
المغربية من
السودان
القديم (أفريقيا
الغربية)،
فإنه تَمّ «التعرف
على أن سواحل
الأطلسي
المغربية
غنية
بالأسماء التي
تحتاجها
أوربا»([18]).
ومما لا
شك فيه أن
اكتشاف
الموارد
البحرية الهامة
التي تزخر بها
المصائد
المغربية قد
أجج الأطماع الاستعمارية
لاحتلال
مراكز على
السواحل
المغربية،
بالإضافة إلى
ذلك سيكون هذا
العامل
الاقتصادي
أصل التنافس
الجامح بين البرتغال
وإسبانيا،
وبالرغم من
ذلك فإن البرتغاليين
هم أول من
سيهتم
باكتشاف
أسراب السمك
الموجودة في
المجالات
البحرية
المغربية
خصوصاً
الجنوبية([19]).
وحسب Vicomte De Santarem (عالم
جغرافيا
برتغالي)([20]) فإن
البحارة
المنتمين إلى Algave
وLagos
(مقاطعات
برتغالية)، قد
ذهبوا سنة 1444 للصيد في
سواحل رأس
بوجدور ورأس
غير ووادي
الذهب.
إضافة إلى
ترجمة بعض
المصادر
التاريخية
المغربية مثل
كتاب "وصف
أفريقيا"،
لاكتساب
معرفة
بالحياة
السياسية
والاقتصادية
والاجتماعية
في المغرب.
فإن من شأن
المذكرات les mémoires
والروايات les relations
التي كان
ينشرها
المستكشفون
آنذاك أن تزيد
من اهتمام
الأوربيين،
وفي مقدمتهم
البرتغاليين،
لكي يولوا
وجهتهم نحو
المصائد
المغربية.
وهكذا قدم Cadamasto
سنة 1456
معلومات
ثمينة عن
اكتشافاته في
المغرب (أفريقيا)([21])، فعند
حديثه عن
مصائد الساحل
المغربي يقول:
«نجد على
طول الساحل
صيد الكثير من
الأسماك
المختلفة الأنواع
جميلة ورفيعة
بعضها يشبه
الأسماك التي
يتم اصطيادها
في البندقية Venise
والبعض الآخر
ذات أشكال
مختلفة».
كما يخصص
الرحالة
البرتغالي Pacheco
Duarte Pereira بعض فصول
كتابه "L'esmaraldo
de situ orbis للحديث عن
المغرب([22])، فعندما
تطرق إلى
السواحل
المغربية أشار
إلى الثراء
السمكي لبعض
المناطق
المغربية،
مثل سبتة
وأزمور.
ويعتبر
المنطقة
الممتدة من
أزمور إلى
ماسة من أكثر
المناطق ثراء
بالصيد
الكبير.
منذ
أواخر القرن
الخامس عشر
عمد
البرتغاليون
إلى إنشاء عدة
مستعمرات على
الساحل
المغربي،
وكان الدافع
الأساسي إلى
إقامة الكثير
منها هو
استغلال
الموارد
البحرية المغربية([23]). وهكذا
مثلاً يذكر
مارمول
كاربخال أن
استيلاء
البرتغاليين
على مدينة
أزمور يعزى
إلى أن: «صيد الشابل
والتون
وغيرهما من
أصناف السمك كان
يجلب إليها
عدداً من تجار
أوربا (...)
وعندما أطلع
التجار
البرتغاليون
المقيمون
بأزمور ملكهم
على سهولة
احتلال
المدينة ووفرة
إيراد صيد
السمك بها،
أمر الملك
حاكم مدينة
أصيلة (دوم
يوحنا دي
مينيزيس)...
لمحاصرتها...»([24])
ليتم بعد ذلك
الاستيلاء
عليها سنة 1513([25]).
كما أن
الأميرال
البرتغالي Diego Lopes de Sequera
الذي مكنه
إبحاره إلى
الهند سنة 1518 من ملاحظة
وفرة السمك في
المناطق
المجاورة لرأس
غير، قد أثار
انتباه الملك Don Emanuel
إلى الفوائد
التي يمكن أن
تؤمنها
المصائد الموجودة
في هذه
المناطق،
التي أسس فيها
مغامر برتغالي
مؤسسة من قبل.
وانضافت إلى
هذا العامل
العوامل
السياسية
التي كانت
تحرك المشاريع
الاستعمارية
البرتغالية
آنذاك في أفريقيا،
هي التي حملت
ملك البرتغال
إلى بناء حصن
أغير chateau d'Aguer (قرب
مدينة
أغادير)، وهو
المكان
المعروف في المصادر
التاريخية
البرتغالية
بـ Santa Cruz de Cap d'Aguer
على مصب نهر
سوس لحماية
المصائد
البرتغالية في
عين المكان([26]).
وفي الواقع
سمحت
المستعمرات
البرتغالية
في المغرب
بانفراد
الصيادين
البرتغاليين
بالمصائد
المغربية
والاستحواذ
على خيراتها،
إلا أن هذا لم
يمنع في بعض
الأحيان من
استفادة
الصيادين
الإسبان
بدورهم من هذا
الوضع. وكما
يتبين من
رسالة بعث بها
Louis Loureiro
حاكم Santa Cruz de Cap d'Aguer
إلى الملك جان
الثالث Jean III
بتاريخ 10 سبتمبر 1537 يقر فيها Loureiro
بوجود صيادين
إسبان أغلبهم
كناريين (نسبة
لسكان جزر
الخالدات)
يمارسون
الصيد على
ساحل سوس وفي
ناحية
موغادور
(مدينة
الصويرة
حالياً)، كما
يشير إلى
إبرامه
لمعاهدة مع
بعض الحكام
المغاربة
بالمنطقة
لتمكين البرتغاليين
والإسبان من
الصيد بأمان
بين رأس سيم Cap Sim
ونهر درعة([27]).
إلا أن
الإسبانيين
لم يريدوا أن
يظلوا عالة على
البرتغاليين،
ذلك أن
استقرارهم
النهائي في
جزر الخالدات
بعد نزاع مع
البرتغاليين
وتعود
الصيادين
الإسبان
والكناريين
على استغلال
المصائد
المغربية
القريبة، شجع
إسبانيا على
احتلال مركز
بالأرض
المغربية
المقابلة
لتلك الجزر
حتى «تتمكن
من استغلا ل
خيرات البحار
المغربية، لأن
أساس تغذية
الشعب
الإسباني كان
ولا يزال هو
السمك، ومن
أجل ذلك أنشأت
إسبانيا
برجاً بمصب
وادي الشبيكة
أطلقت عليه
إسم Santa Cruz de Mar Pequena
وكان ذلك سنة 1476»([28]).
وهنا تجب
الإشارة إلى
أن البرتغال
لم تر بعين
الرضا تدخل
إسبانيا في
الجزر
الخالدات
وبالتالي في الشاطئ
المغربي،
لأنها كانت
تعتبر بلاد
المغرب
بمثابة منطقة
نفوذها
وتوسعها،
الأمر الذي
جعلها تعلن
الحرب على
إسبانيا أكثر
من مرة. وفي
نهاية كل حرب
كانت تفرض
عليها
معاهدات كلها
تنازلات من
طرف إسبانيا
عن "حقوقها"
بالمغرب، نذكر
منها معاهدة
"الكاصوباس"
ليوم 4
سبتمبر 1479 ومعاهدة
"طوردزياس"
ليوم 7
يونيو 1494
ومعاهدة
"سينطرا"
ليوم 15
سبتمبر 1509. والمكانة
البارزة
للموارد
السمكية في
السياسة الاستعمارية
للبلدين كانت
واضحة
بالخصوص في
اتفاقية
"طورديزياس"،
حيث يتنازل
فيها البرتغال
لإسبانيا
بالسيطرة على
مدينة مليلية
الموجودة في
الساحل
المتوسطي،
مقابل تخلي
إسبانيا عن حق
الصيد في
المنطقة
الواقعة بين
رأس بوجدور ووادي
الذهب على
الساحل
الأطلسي
المغربي([29]).
ولم يتوان
المغاربة في
التصدي لهذه
المحاولات
الاستعمارية
لإفشالها،
مما أسفر عن
طرد الإسبان
نهائياً من
حصن Santa Cruz de Mar Pequena سنة 1527([30]). كما قام
المغاربة
بالهجوم على
مركز Santa Cruz de Cap d'Aguer
وأجبروا البرتغاليين
على التخلي
عنه سنة 1541، وبعد هذه
الهزيمة
وسلسلة
الهزائم التي
تلتها فقد
البرتغاليون
كل
مستعمراتهم
على الساحل
المغربي([31]). ورغم فَقْد
إسبانيا
لحصنها على
الساحل
الأطلسي، فإن
الهزائم
المتتالية
التي لحقت
بالبرتغال
جعل مصالح
الصيد
الإسبانية في
المنطقة تتقوى
بشكل كبير
مستغلة
موقعها
الاستراتيجي القريب
من المصائد
المغربية، لا
سيما وجودها
في جزر
الخالدات.
وحسب رواية
الألماني
هانس ستادن Hans Standen
الذي أقام بعض
الوقت في
مدينة
أغادير، قبل
توجهه نحو
البرازيل سنة 1547 فإنه أشار
إلى ممارسة
العديد من
الصيادين القشتاليين
وكذلك
الكناريين
لنشاطهم في
سواحل
أغادير، كما
أن
الأندلسيين
كانوا يأتون
إلى هذه
السواحل من
قبل([32]). كما أن
إسبانيي خليج
بيسكاي Biscay
(شمال
إسبانيا) لم
يكونوا أقل
مغامرة من
البرتغاليين
حيث مارسوا
الصيد في
سواحل رأس غير
وترددوا على
جزء من الساحل
المغربي منذ
منتصف القرن
السادس عشر
تقريباً([33]).
بيد أن هذا
الصيد الكبير
الذي تعاطى له
فيما مضى
البحارة
البرتغاليون
والصيادون
المنتمون
لمنطقة
الأندلس
وبيسكاي، فإن
هذا الصيد أصبح
مع مرور الوقت
في يد صيادي
جزر الخالدات:
فسكان هذه
الجزر عرفوا
كيف يستغلون
موقعهم في منطقة
غنية
بالأسماك،
فأسطول الصيد
الكناري كان
يتردد على
سواحل رأس
بوجدور
والرأس الأبيض
ثمان إلى تسع
مرات في
السنة،
ويشجعه على ذلك
وفرة السمك
والرياح
المعتدلة
والمنتظمة وكان
يقوم باصطياد
عدة أنواع من
الغادسيات gadidés
وأنواع أخرى
من الأسماك
التي تحضر عن
طريق عملية
التمليح
والتجفيف([34]).
وفي الواقع
فإن اعتياد
الصيادين
الإسبان، خصوصاً
الكناريين،
على الصيد في
المياه المغربية،
واحتلالهم
السابق لنقطة
على الساحل المغربي،
كل ذلك أصبح
ذريعة في يد
إسبانيا للمطالبة
بحقوق خالصة
لاستغلال
المصائد
المغربية بل
ولتبرير
احتلالها
لجزء من
التراب
المغربي. وقد
توصلت إسبانيا
إلى تحقيق
أهدافها رغم
مضايقتها من
طرف دول أوربية
أخرى التي
حاولت بدورها
الاستفادة من
استغلال
الثروات
السمكية التي
تزخر بها المياه
المغربية([35]): وكما
تكشف عن ذلك
الأرشيفات
الأوربية،
فإن الأطماع
الفرنسية في
استغلال
الموارد
البحرية
للسواحل
المغربية
تعود إلى سنة 1664، حيث أشار André François Thrubert
في مذكرته،
إلى الصيد
الهام من
المرجان الموجود
بسواحل مدينة
الحسيمة([36]).
وفي سنة 1689 كتب
قنصل فرنسا
بمدينة سلا Jean Baptiste Estelle
مذكرة، والتي
هي عبارة عن
تقرير عام عن حكم
السلطان
مولاي
إسماعيل
وقوته السياسية
والعسكرية،
وعن طبيعة
المغرب
وخصوبة أرضه
ونشاط التجار الفرنسيين، ولم
يفته أن يشير
إلى الكمية
الكبيرة من
السمك في
ميناء أغادير
(رأس غير) ([37]).
كما أن أول
محاولة
للإنجليز
تعود إلى
منتصف القرن
الثامن عشر
عندما قام
ملاح اسكتلندي
معروف يدعى
جورج غلاس George Glass
باستكشاف
جزر
الخالدات،
كما قام
بزيارة عدة مناطق
على الساحل
المغربي
المجاور
للأرخبيل،
وسجل
المعلومات
التي حصل
عليها في كتاب
له صدر بلندن
سنة 1764
تحت عنوان "تاريخ
اكتشاف وفتح
جزر الخالدات"
"The History
of Discovery and Conquest of the Canarie Islands".
ثالثاً:
تكريس
السيطرة
الإسبانية
على المصائد
المغربية
وهكذا
اهتم الأجانب
من جنسيات
مختلفة بالمصائد
المغربية
سواء
المتوسطية أو
الأطلسية، ومع
مرور الوقت
سيتركز
اهتمامهم على
المصائد
الصحراوية
المغربية. إلا
أن المحاولات التي
قام بها
الإنجليز
والفرنسيون
وغيرهم للسيطرة
على هذه
المصائد، كان
مصيرها الفشل
نتيجة عدة
أسباب أهمها
مقاومة
المغاربة لكل
المشاريع
الاستعمارية
الهادفة إلى
الاستحواذ
على خيراتهم
البحرية،
ويقظة الإسبانيين
الذين
استفادوا من
موقعهم
الجغرافي
القريب من
السواحل
المغربية،
حيث عملوا على
إجهاض كل
محاولة قد تعيق
نشاط أسطول الصيد
الإسباني في
هذه المناطق،
من هنا يفهم
رد فعلهم
السريع تجاه
كل منافسة قد
تعيق نشاطهم
على السواحل
المغربية.
وتزامن تطور
إسبانيا كقوة
استعمارية
وتطور صناعة
الصيد فيها،
مع فترة كان
المغرب خلالها
في موقف ضعف
على مستوى
علاقاته مع
القوى الأوربية،
ويعيش مشاكل
داخلية
خطيرة، بعد
بداية انهيار
حكم الدولة
السعدية([38]).
بالمقابل
أصبحت
إسبانيا
الأقوى
عسكرياً تندمج
في سياسة
"المنتدى
الأوربي" وتعرف
نمو التيار
التوسعي
"الأفريقاني".
وقد استطاع
الإسبان
الحفاظ على انفرادهم
بالصيد في
المياه
المغربية
خصوصاً لما
تمكنوا من
تكريس قوتهم
المادية في
الميدان،
وتوقيعهم
لاتفاقيات مع
المغرب
يحصلون بمقتضاها
على حقوق
امتيازية
لاستغلال
الموارد
السمكية
المغربية،
والأنكى من
ذلك هو حصولهم
على حقوق
استعمارية
لاحتلال
أجزاء من المغرب
متذرعين بما
يسمى
"بالحقوق
التاريخية".
وهذا التفوق
سيترجم على
المستوى
الاتفاقي
بعقد سلسلة من
المعاهدات
التي يتنازل
فيها المغرب
لإسبانيا
بالخصوص عن حق
الصيد في
المياه البحرية
المغربية
ويتعلق الأمر
بمعاهدات 1767 و1799 و1860 و1861.
1 - كان من شأن
المقاومة
المغربية
لأنشطة
الصيادين
الكناريين في
المصائد المغربية([39])،
والتنافس
الإنجليزي
الإسباني على
هذه المصائد،
أن تحمل
إسبانيا على
الدخول في
مفاوضات مع
المغرب من أجل
إبرام معاهدة
تسمح لصياديها
بحرية الصيد
في المياه
المغربية دون
مضايقة.
ولعل هذا ما
تكشف عنه
التعليمات
التي تضمنتها
رسالة الملك
الإسباني
كارلوس الثالث،
إلى مبعوثه
لدى سلطان
المغرب سيدي
محمد بن عبد
الله B.G. de la Conception([40])، حيث
تتجلى
الأهمية
القصوى التي
تعطيها السلطات
الإسبانية
منذ قرنين
لنشاط أسطول
الصيد
الكناري
بالمياه
المغربية. كما
تكشف هذه الوثيقة
الدبلوماسية
عن رغبة الملك
الإسباني في
الحصول على
تنازل ترابي
من المغرب،
«سواء في نهر
غويدر Gueder أو في
أحوازه... أو
محلاًّ في أية
بقعة أخرى شرط
ألا تكون
بعيدة جداً عن
جزرنا»، كما جاء
حرفياً في
تعليماته إلى
مبعوثه.
وفي ظل هذه
الظروف أبرمت
المعاهدة
المغربية الإسبانية
لسنة 1767([41])، والتي
وإن مكنت
المغاربة من
عدم الرضوخ
لرغبة
الإسبانيين
في إحداث برج
لهم بأرض
الصحراء، وما
يشكله ذلك من
مس بالسيادة
الإقليمية للمغرب
ومن إهانة
لسكانه، فإن
المادة 18 من المعاهدة
ستعترف
لأهالي جزر
الخالدات وغيرهم
من الإسبان
بالحق الخالص
في الصيد في
السواحل
المغربية.
ومنذئذ لم يعد
هناك ما يضايق
الصيادين
الكناريين،
إذ أصبحوا
يستغلون هذه
الثروة
البحرية
الضخمة بحرية من
رأس نون إلى
رأس بارباس([42]).
وهذا الوضع
يشكل تنازلاً
مهماً من قبل
المغرب، يمكن
تفسيره بكون
معاهدة 1767 - بالرغم من
طابعها
التجاري - فهي
قبل كل شيء "معاهدة
عسكرية"
موقعة تحت
الضغط
والإجبار([43])، لهذا
فهي تعترف
بالجيوب
المختلة من
قبل إسبانيا
شمال المغرب
(سبتة ومليلية
والنكور
وبادس).
وهكذا ورغم
مظاهر السلم
التي حاولت
هذه المعاهدة
الإيهام
بإقامته بين
البلدين، إلا
أنه كان سلماً
مؤقتاً.
فاحتلال
إسبانيا
لثغور شمال
المغرب، ولد
مقاومة عنيدة
لاسترجاع
المغاربة
لأرضهم، وهذا
ما كان موضوع
توافق بين
السلطان
ورعيته من أجل
اللجوء إلى
السلاح
والدعوة إلى
الجهاد ضد قوى
الاحتلال،
كما ورد ذلك
واضحاً في
الرسالتين
الصارمتين
اللتين وجههما
السلطان سيدي
محمد بن عبد
الله إلى ملك
إسبانيا
كارلوس
الثالث([44]).
2 - ولسوء
الحظ كان
ميزان القوى
دائماً لصالح
الإسبان، وهو
ما جعل المغرب
يتنازل
مرغماً عن حقوقه
بمقتضى
معاهدة فاتح
مارس 1799([45]). حيث جاءت
المادة
الأولى من هذه
المعاهدة، لتؤكد
صراحة على استمرارية
العمل
بالمعاهدات
المبرمة في
السابق بين
المغرب
وإسبانيا،
مما يعني
الحفاظ على استئثار
الإسبانيين
باستغلال
المصائد المغربية.
وفي هذا الصدد
تقر المادة 35
للرعايا
الإسبان
بحقوق خالصة
للصيد في السواحل
المغربية من
أغادير
صعوداً نحو
الشمال. والجديد
هو ما جاءت به
المادة 37 التي
اعتبرت أن
السفن
الإسبانية
التي تعمل بدون
رخصة في
السواحل
المغربية،
تعد مرتكبة لمخالفة
تترتب عنها
عقوبات، ولكن
تصدرها السلطات
الإسبانية -
القنصل
الإسباني
الأقرب - وطبقاً
للقوانين
والتنظيمات
الإسبانية
وليس المغربية.
وهذا فيه مس
خطير بالسيادة
المغربية
والذي سيتعمق
أكثر في
المعاهدات
المغربية
الإسبانية
التالية.
3 - وبالرغم من
هذه
الامتيازات
المتتالية
التي انتزعتها
إسبانيا من
المغرب إلا أن
الإسبانيين
كانوا
يتتبعون بقلق
وبحذر شديد
المحاولات
الإنجليزية
والفرنسية في
الجنوب
المغربي. إذ
أن كل ما يمس
منطقة سوس
والساحل
الإفريقي
المقابل لجزر
الخالدات كان
يثير
انشغالهم،
فمنذ طرد الإسبان
من السواحل
الجنوبية
المغربية
وتدمير حصن Santa Cruz de Mar Pequena
حاولت
إسبانيا بدون
جدوى الحصول
من المغرب على
محل للصيد على
الساحل
المغربي، إلا
أن ذلك لم
يمنعها من مواصلة
تحقيق هدفها
الاستعماري
حيث ستتحين
الفرصة لفرض
هذا المطلب
ولو بقوة
السلاح.
وهكذا
اصطنعت
إسبانيا
مشكلة بينها
وبين المغرب
فاستغلت
حادثة من
الحوادث
المتكررة وقعت
بحدود سبتة
يوم 10
غشت 1859،
لإعلان الحرب
عليه. ولما
خسر المغرب
هذه الحرب
المعروفة
بحرب تطوان([46])، فرضت
عليه إسبانيا
شروطاً قاسية
بإبرام معاهدة
للصلح يوم 26 أبريل 1860([47])؛ والتي
بمقتضاها
تمكنت
إسبانيا من
الحصول قانوناً
على وعاء
ترابي لحقها
في الصيد
بالمياه
المغربية([48]).
وبغض النظر
عن الشروط
المجحفة في حق
المغرب التي
تضمنتها هذه
المعاهدة
كتوسيع ثغري
سبتة ومليلية
وغير ذلك من
الشروط التي
خلفت شرخاً
عميقاً في
السيادة
المغربية،
فإن المادة 8 تلزم الدولة
المغربية
بالتنازل
الدائم
لإسبانيا عن
منطقة كافية
لإقامة مؤسسة
للصيد على
الشاطئ
الأطلسي قرب
ما كان يسمى بحصن
Santa Cruz
de Mar Pequena مثلما
كان لإسبانيا
قديماً. وتضيف
هذه المادة أن
الأرض
المخصصة
لإنشاء هذه
المؤسسة سيتم
تعيينها
وتحديدها من
لدن لجنة
يعينها
الطرفان
المتعاقدان.
ورغم
الغموض الذي
وقع أثناء
تحديد مكان
مؤسسة الصيد،
ورغم تحفظات
المغرب بعد
ذلك على اعتبار
منطقة إفني
كمكان
للمؤسسة،
وبالرغم كذلك
من العروض المغربية
المتجددة
للتعويض
المالي، فإن
موافقة
المغرب على
إرسال لجنة
مختلطة
لتحديد مكان
المؤسسة
يعتبر
اعترافاً بحق
إسبانيا في المنطقة([49]).
وفي
الواقع فإن
الأنظار
الإسبانية
اتجهت إلى كل السواحل
الصحراوية
المغربية
المعروفة بثرائها
السمكي، وذلك
باللعب على
نفس الغموض
الذي تركته
المادة 8. وإذا
كانت الشركات
الأداة
المفضلة
للاستعمار
فإن المصالح
الخاصة
بإسبانيا لم
تبق مكتوفة
الأيدي أمام
هذه الغنيمة
إذ تأسست شركة
في مدريد تحت
اسم Compana del Atlas.
وتمكنت شركات
الصيد
والمصالح
الخاصة الإسبانية
من التفسير
الواسع (في
المكان)
لأحكام هذه
المادة،
لتطبيقها ليس
فقط على السواحل
المغربية قرب
وادي نون بل
على مجموع الساحل
الصحراوي.
وبسبب التخوف
من النوايا
الاستعمارية
لإنجلترا في
المنطقة فإن
المشاريع
الاستثمارية
الإسبانية
الخاصة ستضغط
على الحكومة
الإسبانية من
أجل تنفيذ
التدخل في الشاطئ
المغربي جنوب
أغادير. وذلك
لضمان استغلال
المصائد
الغنية
بالموارد في
هذه المناطق وإلى
جانب هذه
المطالب
الخاصة
للصيادين
الإسبانيين
بجزر
الخالدات،
سيتضافر معها
التيار
الاستعماري
في مدريد وبعض
المستفيدين.
وقد أسفرت هذه
الضغوطات عن
حمل الحكومة
الإسبانية
لكي تعلن
بتاريخ 26 ديسمبر 1884 أمام الدول
المجتمعة في
مؤتمر برلين،
عن قرارها
بوضع السواحل
المغربية بين
رأس بوجدور والرأس
الأبيض تحت
الحماية
الإسبانية،
وفي ذلك حماية
لمصالح
الصيادين الإسبان
وتنمية
أنشطتهم ونشر
نفوذها في شمال
إفريقيا([50]).
وليس من
قبيل الصدف أن
تكون Compana de Pesquerias Canario
Africana([51]) هي
أول شركة تطلب
وتحصل على
الإذن
بالاستقرار
في مدينة الداخلة
سنة 1881،
وتبعتها بعد
ذلك شركات
أخرى
للاستقرار
على طول
الساحل
الصحراوي.
وبسرعة تشكلت
شبكة من المصالح
القوية
المؤثرة داخل
الأوساط
السياسية
بمدريد وعن طريق
عملية طويلة
انتهت
إسبانيا إلى
جعل الأقاليم
الصحراوية
تحت الحماية
الإسبانية
سنة 1884 قبل أن
تعتبرها
مستعمرة.
وهكذا أصبحت
المطالب
الإسبانية
بالصيد في
المياه
المغربية ذريعة
للتغلغل
الاستعماري
الإسباني في
جنوب المغرب
وأداة
لاقتطاع
أجزاء من
التراب
المغربي.
4 - ومما نصت
عليه المادة 13 من
معاهدة 26
أبريل 1860 هو أن
تعمل الدولتان
إسبانيا
والمغرب إلى
عقد اتفاق تجاري
في أقرب وقت
ممكن، يمنح
بموجبه
للرعايا الإسبان
جميع المزايا
المماثلة
التي أعطيت أو
ستعطى للدولة
الأكثر رعاية.
وهكذا لم تمر
سوى سنة على
حرب تطوان
وعلى الاتفاق
الاستعماري
سنة 1860 حتى توصل
الطرفان إلى
إبرام
اتفاقية 20
نوفمبر 1861([52]). وتتكون هذه
الاتفاقية من 64 مادة والتي
تقتبس أهم
مضامينها
وجوهرها - أحياناً
حرفياً - من
المعاهدة
المغربية
الإنجليزية
لسنة 1856.
ولكن ما يميز
معاهدة 1861 هو تخصيصها
بعض الفصول
لتنظيم نشاط
الصيادين
الإسبان في
المياه المغربية.
غير أن هذه
الفصول
الخاصة
بالصيد لم تكتف
فقط بتكرار ما
نصت عليه
المعاهدات
السابقة من
امتيازات بل
حاولت توسيع
نطاقها فحسب المادة
57 فإن حق
الصيد في
المياه
المغربية لم يعد
تقتصر
ممارسته على
إسبانيي شبه
الجزيرة
الأيبيرية وجزر
الخالدات بل
أصبح يشمل حتى
سكان
المستعمرات
الإسبانية
بإفريقيا. وبمقتضى
المادة 60 فإن "حقوق
الصيد"
الإسبانية
أضحت تشمل
كذلك حتى قطع
المرجان le corail،
إذ تطالب
المراكب
الإسبانية
المعنية باستغلال
هذا النوع من
الموارد
البحرية في
السواحل
المغربية
الحصول على
رخصة حدد
رسمها
(إتاوتها) في
مائة وخمسين
ريالاً عن كل
مركب تسلمها
السلطات
المغربية.
وهذه العملية
لا تتم
مباشرة،
وإنما عن طريق
ممثل الدولة
الإسبانية في
المغرب، الذي
يقوم مقابل
هذه الرخصة،
بتحصيل
الإتاوة
الواجبة من
الصيادين
الإسبان. وفي
حالة قيام هذه
المراكب بقطع
المرجان بدون
ترخيص، فإن زجر
المخالفات في
هذه الحالة
يعود لممثل
الدولة
الإسبانية
وليس السلطات
المغربية.
ولعل مضمون
هذه
الاتفاقية
والاتفاقيات
التي سبقتها
وما تتضمنه من
تنازلات تلو
التنازلات،
ليعد دليلاً
قاطعاً على
عدم التكافؤ
الذي طبع العلاقات
المغربية
الإسبانية
لتنظيم نشاط
الصيادين
الإسبان في
المياه
البحرية
المغربية، وهو
ما كان يتماشى
مع "القانون
الدولي التقليدي"
السائد
آنذاك، الذي
يشرع
المعاهدات غير
المتكافئة
ذات الطابع
الاستعماري.
إلا أن عدم
التكافؤ هذا
سيتعمق أكثر
ويتسع، ليشمل
علاقات المغرب
مع دول أخرى
في مجال الصيد
مع إطلالة القرن
العشرين
ودخول المغرب
عهد الحماية.
وهكذا فإن
المطالب
الإسبانية
للصيد في المياه
المغربية
ستتحول إلى
قناة للحصول
على مطالب
ترابية،
بإنشاء
مستعمرات
تسهل على
الإسبان
الانفراد
بالصيد في
المياه
المغربية، لتشكل
هذه المطالب
بدورها فيما
بعد شرطاً
لانسحاب
إسبانيا من
الثغور
المحتلة عقب
استقلال
المغرب، كما
يتجلى ذلك من
انسحاب
إسبانيا من
مدينة إفني
سنة 1969([53]).
وكما يذكر
المؤرخ
الفرنسي جان
لوي مييج فإن: «كثرة
المحاولات
وتعدد
المشاريع
خلال القرنين
التاسع عشر
والعشرين
يتضح هدفين
مختلفين،
فيتعلق
بالنسبة
للبعض
باستغلال
فعلي للخيرات
السمكية
للسواحل
المغربية وبالنسبة
للآخرين فإنه
لا يتعلق
الأمر إلا بخديعة
لإيجاد موقع
قدم على الأرض
المغربي لنشر
النفوذ
السياسي
والاقتصادي
وليس من السهل
في ظل هذه
المحاولات
والمصالح
التمييز بين هذا
الهدف أو ذاك»([54]).
([1]) إن
حضور عامل
الصيد في
السياسة
الاستعمارية لعدد
من الدول إزاء
المغرب،
يبرهن بشكل
واضح على
المكانة التي
يتبوؤها
الصيد في حل
ما يعرف
بـ"القضية
المغربية"،
وهي المكانة
التي تَمَّ
التقليل منها
أو تجاهلها
كما ذكر جان
لوي مييج: Jean Louis Miège, «Des
pêches traditionnelles à la pêche moderne», in Revue Maroc Europe,
N° 9, 1996, p. 24.
([2]) Halima Ferhat, «Le Maroc et la mer: approche
historique», in revue juridique politique et économique du Maroc, N° 6,
1980, p. 25; Abdelkader Timoule, «Le Maroc a travers les chroniques du Maroc»,
N° 6, 1980, p. 25; Abdelkader Timoule, Le Maroc à travers les chroniques maritimes,
Tome 1: de la préhistorique à 1912, ed. SONIR, Casablanca, 1988, p. 10.
Louis Brunot, La mer
dans les traditions et les industries indigènes à Rabat et Salé, Paris,
1921, 358 p.
([7]) الشريف
الإدريسي، وصف
أفريقيا
الشمالية
الصحراوية،
مأخوذ من كتاب
"نزهة المشتاق
في اختراق
الآفاق" (نحو 548 ﻫ/
1154 م)،
مكتبة معهد
الدروس
العليا
الإسلامية
بالجزائر،1957،
صص. 107-108
عند حديثه عن
مدينة سبتة.
وهو ما أكده
بعد ثلاثة
قرون المؤرخ
المغربي محمد
بن القاسم
الأنصاري، اختصار
الأخبار عما
كان بثغر سبتة
من سني الآثار،
تحقيق عبد
الوهاب بن
منصور،
الرباط، 1983،
ص. 51.
([9]) وفي
هذا الصدد
يقول الحسن
الوزان عند
حديثه عن
مدينة بادس: «لا
ينبت في
بلادهم سوى
القليل من
القمح ولذلك
يأكلون خبز
الشعير في هذه
المدينة
ويقتاتون على
الخصوص
بالسردين وغيره
من السمك لأن
الصيادين
يصطادون منه
كميات وافرة
بحيث يحتاجون
دائماً إلى
بعض الناس
ليساعدوهم
على جر
شباكهم...»، المرجع
نفسه ، ص. 253.
([19]) وهذا ما
تؤكده
المصادر
الأوربية مثل
سابان برتلو Sabin Berthelot, De la
pêche sur la cote occidentale d'Afrique et des établissements les plus utiles
aux progrès de cette industrie, Paris, 1840, p. 24.
إن سابان
برتلو الذي
عمل لمدة عشر
سنوات كقنصل فرنسا
في عاصمة
أرخبيل
الخالدات Ténériffé
وقد مكنته
إقامته
الطويلة
بالأرخبيل من
التوثيق بشكل
دقيق
والاستخبار
عن صناعة
الصيد الإسبانية
والمصائد
الإفريقية
التي يرتادها
الصيادون
الإسبان وعلى
رأسها
المصائد المغربية.
Robert Ricard, «La cote
atlantique du Maroc au début du 16° siècle d'après des institutions nautiques
portugaises», in Hesperis, 1927, pp. 225-259.
([39]) يقول
برتلو S. Berthelot المرجع
السابق،
ص.
235: «إن
هذا الصيد
الكثير الذي
يقوم به سكان
أرخبيل
الخالدات على
الساحل
الغربي
لإفريقيا
غالباً ما
يتعرض
لمضايقات من
طرف المغاربة
عند نهاية
القرن السادس
عشر،
فالمغاربة
حاولوا لعدة
مرات إبعاد
هؤلاء
الصيادين»،
ويضيف في مكان
آخر (المرجع
نفسه، صص. 244-245) «أمام
هذا العداء
الدائم فقد
انهارت جزر
الخالدات،
فصناعة الصيد
فقدت كل
نشاطها وكانت
البلاد مهددة
بخسارتها لأهم
مورد من جراء
هذه الحالة
طلب الإقليم
من المتروبول
إرسال حراس
الشواطئ
لحماية
المصائد...».
([41]) هي
معاهدة الصلح
والتجارة بين
المغرب وإسبانيا
الموقعة
بمراكش
بتاريخ 22
ماي 1767
بين السلطان
سيدي محمد بن
عبد الله
والملك كارلوس
الثالث
بواسطة
مندوبه خورخي
خوان Don Jorje Juan.
(أنظر النص
العربي
الأصلي
للمعاهدة ضمن
مجلة: Tamuda, ano 1956, pp. 87-92، أما
الترجمة
الفرنسية
للنص
الإسباني
فتوجد عند Rouard de Ricard, Les
relations de l'Espagne et du Maroc pendant
le 18 et le 19 siècles, Paris, 1905, pp. 170-174).
([44]) الرسالة
الأولى كانت بتاريخ
19
سبتمبر 1774 ومما
جاء فيها
بالخصوص: «إن
رعايانا
وباتفاق مع أتراك
الجزائر لا
يقبلون بوجه
ولا حال أن
يروا الإسبان
على السواحل
المغربية من
سبتة إلى وهران.. =
= وهم
يريدون
استرجاع
أراضيهم ومن
الصعب علينا
أن نقف ضد
رغبات
رعايانا
ولهذا فقد
أخذنا بعين
الاعتبار
رجاءهم
وسنقاتل ضد
المعسكرات الإسبانية
حتى يحكم الله
بيننا...».
وبعد
شهرين من ذلك
بعث برسالة
ثانية بتاريخ 22
نوفمبر 1774 يعلن
فيها أنه «قرر
الالتجاء إلى
السلاح
للدفاع عن
البلاد وأنه
سيقوم
بالجهاد ليس
من أجل الحصول
على مكاسب
دنيوية ولكن
أداء لما
يفرضه الواجب».
-
بالنسبة
لرسالة
الأولى أنظر: G. Morales, Diatos para la historia de Melilla, Melilla, 1909, p. 109.
-
وبالنسبة
للرسالة
الأولى أنظر: G. Morales, Diatos para la historia de Melilla, Melilla, 1919, p.
109.
-
وبالنسبة
للرسالة
الثانية أنظر:
R. Casado, Politica marroqui de Carlos III,
Madrid, 1946, p. 413
يعود
الفضل في
حصولي على
هذين
المرجعين إلى
المؤرخ
الإسباني
المقيم
بمدينة طنجة DON Ramon Lourido.
([45]) معاهدة
الصلح
والصداقة
والملاحة
والصيد الموقعة
بمكناس يوم 22
رمضان 1213
فاتح مارس 1799
بين سلطان المغرب
ومولاي
سليمان وملك
إسبانيا
كارلوس الرابع
بواسطة
مندوبيهما
الصدر الأعظم
محمد بن عثمان
والمعتمد
العسكري Gonzales Salmon.
(انظر النص
العربي
للمعاهدة ضمن
مجلة Tamuda, ano 1959,
pp. 9-51. أما
الترجمة
الفرنسية
للنص
الإسباني
فتوجد عند:
R. De Card ou Ricard, op. cit., pp. 179-190.
([47]) معاهدة
الصلح
والصداقة
الموقعة
بتطوان بتاريخ
26
أبريل 1860 (4
شوال 1276)
بين ملكة
إسبانيا
إيزابيل
الثانية
والسلطان
سيدي محمد بن
عبد الرحمان
عن طريق
مفوضيهما Luis Garcial وTomas De Ligues Bardaji
ثم محمد
الخطيب وأحمد
الشبلي.
أنظر
النص العربي
الأصلي عند
عبد الرحمان
بن زيدان، الإتحاف،
ج 3، ص. 487-489.
أما
الترجمة
العربية للنص
الإسباني
فتوجد عند
محمد داود، مرجع
سابق، ص. 286-292
والترجمة الفرنسية
للنص
الإسباني عند:
R.
De Card, op. cit., pp. 194-198.
([52]) معاهدة
التجارة الموقعة
بمدريد يوم 20 نونبر 1861 التي
وقعها نيابة
عن سلطان
المغرب وملكة
إسبانيا كل من
الخليفة
السلطاني
مولاي العباس Don Calderon Collantes. أنظر
النص العربي
الأصلي عند
محمد داود، تاريخ
تطوان، م 5،
ص. 165-189، وعبد
الرحمان بن
زيدان، الإتحاف،
ج 3، ص. 490-519،
أما الترجمة
الفرنسية
للنص
الإسباني عند:
R. De Card, op. cit., pp.
203-222.

إرسال تعليق