GuidePedia

0


نبذة تاريخية عن المنطقة:
1        - درعة الوسطى عبر التاريخ:

   " يحكي المؤرخون أن أول من أستوطن درعة: كوش بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام، حيث أسس مدينة "يتوملين" بضواحي تزاكورت،  و سكنها معية اولاده، تأتي بعد دلك تلة من الحبشيين و الغانيين و الذين دخلوا البلاد بواسطة النخاسة، فالعناصر السمراء المنحدرة من هضاب مالي مع بداية عصر الزراعة، و في سنة 70 م استولى الإمبراطور الروماني " طيطوس" على بيت المقدس و دمر دولة إسرائيل.  وقصد درعة بعد ذلك يعقوب بن يوسف صحبة حشد من بني إسرائيل بعد أن أقسم ألا يسكن إلا بعد مسيرة شهور من أعدائه فسكن مدينة الحجر " تازورت"على مقربة من تمكروت الحالية، و بها استقر إلى أن مات و دفن بمغارتها، مخلفا عددا من الأولاد يعبدون الله على دين ابراهيم عليه السلام، اشتهر منهم " شميال "1

انتشر بنو اسرائيل بالوادي، و اختلطوا بالسكان و انفعلوا مع طبيعة المنطقة  وبنوا لهم مراكز نذكر منها: تامنوكالت، بني خلوف، أمزرو، بني صبيح، بني حيون، لكن بعد بضعة عقود من التاريخ غزا الرومان المنطقة و قسموا الوادي مع بني اسرائيل مناصفة بعد قياسه بالذراع*، و إبرام معاهدة في الموضوع .

      " نقض الرومان العهد و قتلوا من منافسيهم الوجهاء و الأعيان، الأمر الذي جعل "شميال " القائد الإسرائيلي يستنجد بعدة قبائل من القيروان ليهزم فيما بعد جيوش "برناط" قائد سيدة الروم "زاكورة بنت عاد"بعد محاصرة دامت سبعة أشهر، فلم يسع البقية منهم إلا الفرار إلى أغمات " 1.

      والحق أن المنطقة شهدت في عهدهم حضارة معمارية تدل عليها تلك الأطلال العتيقة الباقية على جنبات الوادي و بين جبلي زاكورة،"إذ أن آثار الروم بهذا الوادي كثيرة جدا، ومن أعظمها و أشهرها و أبقاها على ممر العصور، مدينتهم التي بين جبلي زاكورة ، فإن أسوارها و أبراجها باقية إلى هذا التاريخ و هو 1143 هجرية "2 .

     "و في سنة 63 هجرية دخل عقبة بن نافع الفهري المغرب فاتحا بلاد درعة، حيث بنى مدينة "تيومتين " و اتخذها قاعدة درعة و هي مدينة عامرة آهلة، بها جامع وأسواق، و تابع الفاتح عقبة سيره مع الوادي حيث بنى مسجد "عكوبت" بمنطقة تنزولين، و بصفة عامة تشير أغلبية المصادر التاريخية المهتمة بالموضوع على أن نشر الإسلام بدرعة تم في ظروف متدرجة و بعفوية و تلقائية. ووجه آخر لحضارة وادي درعة في ظل الإسلام سيبدو لنا من خلال انتشار الثقافة الإسلامية بهذا الربوع، وبالضبط في القرن الخامس الهجري حيث أكد ابن أبي زرع في كتابه "روض القرطاس " و ابن الخطيب في مؤلفه "أعمال الأعلام " أن فقهاء درعة رفعوا المخاطبات إلى عبد الله بن ياسين ليطلبوا منه السير بالجيوش المرابطية إلى جهتهم حتى تضطلع الدولة الجديدة بنشر الإسلام و العدالة "3. 

أما عن قيام المرابطين و بعد استيلاء عبد الله بن ياسين و أبي بكر بن عمر اللمثوني على درعة، فيروى أنهما صادرا خمسين ألف رأس من الإبل كانت بملك مسعود بن واندين المغراوي بنفس المنطقة، كما جدد المرابطون قلعة زاكورة وأسوارها على غرار مدينة البصرة، و نقلوا عاصمة المنطقة إلى " تامنوكالت".
         وعندما ظهر الموحدون، و بعد فشل خطتهم الهجومية الاولى على مراكش العاصمة استولى عبد المومن بن علي على مناطق الجنوب و منها درعة و ذلك في إطار خطته الاستراتيجية العسكرية و الاقتصادية الرامية إلى خنق المرابطين ومحاصرتهم اقتصاديا وذلك بالاستيلاء على طرق التجارة الصحراوية و لما بدأ الوهن يتسرب لدولتهم سيطر على درعة عرب بني معقل البدويون و خلال النصف الأول من القرن السابع الهجري (13 م)، عرفت درعة صراعا بين بني عبد الواد أمراء تلمسان وبني مرين و الموحدين، و في سنة 672 هجرية، استرجع الأمير يعقوب بن عبد الحق منطقة درعة من بني عبد الواد ويلاحظ أن الدولة المرينية لم تستطع إخضاع عرب بني معقل المستقرين بدرعة على الرغم من استخدامهم للقوة و ذلك أن هؤلاء الأعراب البدويين لم يكتفوا بالثورات المتعددة بل كانوا يناصرون كل ثائر ضد المرينيين، و في هذا الجو المطبوع بالانقسامات و الصراعات والحروب المحلية، نشطت الزوايا وأصبحت تلعب دورا مهما يتجلى في تأطير السكان ومن بين هذه الزوايا تكمادارت بواحة فزواطة التي أشرفت عليها أسرة شريفة هي أسرة الفقيه محمد بن عبد الرحمان، ويبدو أن هذه الزاوية اكتسبت مع مرور الزمن سمعة و شهرة غطت مناطق الجنوب كلها.
و يعتبر القرنان 10 و 11 وهي فترة ظهور السعديين على مسرح الأحداث عهد ازدهار اقتصادي و ثقافي بدرعة، فعلى المستوى الاقتصادي صارت درعة محطة تجارية هامة و بالخصوص في واردات الذهب و الفضة والتبغ و العبيد من بلاد السودان، و كثر الوافدون على درعة من مختلف نواحي المغرب. كما شهدت ازدهارا عمرانيا هاما حيث أنشأ السعديون عدة قصور و لازالت أطلال " تدسي " الكبرى تدل على ذلك.   

       " ومع بروز عهد الشرفاء العلويين صار مركز ولاة المنطقة هي قصبة " أغلان"  و هي تبعد عن مدينة زاكورة بنحو عشر كيلومترات إلى جهة الشرق، و هي في العصر الذي ندرسه القصبة الرئيسية في المنطقة، يستقر بها الباشا الحاكم، و في خارج أسوار قصبة أغلان المخزنية تقوم زاوية أغلان دار الناصريين الأولى و لها أوقاف في مواضع متعددة من درعة"1 ، "و قصبة أغلان بدورها لاتزال تجاورها أطلال لاشك أنها من بقايا قصر الأمير العلوي الشريف بن اسماعيل والي درعة"2. " وفي عهد المولى سليمان، عين المولى عبد السلام بن سليمان واليا على المنطقة متخدا مركزه بأمزرو لكن بعض القبائل تثور في وجهه، الأمر الذي جعل المولى سليمان يتحرك إليهم، و استنجد المتمردون ببقية القبائل البربرية المتواجدة بالمنطقة و كونوا لهم وجها دفاعيا بقيادة " بوالخزين العيسي"، لكن انقسامهم إلى أيت ولان (السنيون) و أيت واحليم (الشيعة)، أفشل خطتهم ضد الحكم السلطاني،  و هكذا رجعت المياه إلى مجاريها الطبيعية حتى وفاة المولى الحسن الأول"3حيث تعرضت درعة لصراعات قبلية تمثلت في انتشار أعمال السلب و النهب و الحروب الأهلية و انعدام الأمن، فتم تقسيم القبائل إلى مجموعات أحلاف، الأمر الذي غدته الامبريالية الاستعمارية لاتخاذه ذريعة للسيطرة على المنطقة على غرار باقي المناطق المغربية.
      2- التنظيم الاجتماعي للواحة :
     يرجع العمل بالاتفاقيات بواحة درعة إلى عهد السعديين و قد تطور العمل بها في عهد العلويين، فتعددت أنواعها و اتسع نطاق شروطها و بنودها تبعا للظروف الاجتماعية التي كانت تعرفها المنطقة إبان الأزمات السياسية و الاجتماعية الناتجة عن تراجع نفوذ القواد المحليين، وما تبع ذلك من غنى قبائل أيت عطا ومن على شاكلتها من القبائل المترحلة.
       و سنركز على الاتفاقيات التنظيمية التي تنظم العلاقات العامة بين قبائل القصور خاصة أن هذه القبائل تتشكل من بقايا القبائل التي عمرت الوادي في عصوره الغابرة ولاشيء يجمع بين هذه البقايا إلا اسم القصر الذي تستوطنه و المصالح المشتركة داخل حدود القبيلة" و إذا انطلقنا من أسماء قصور فزواطة نلاحظ أن جل هذه القصور قد استحدثت في اوقات متأخرة من القرن العاشر الهجري / 16 م.
أما القصور القديمة فتحمل أسماء مواقع جغرافية كقصر أغلا و درار ( أعلى الجبل)       ( أنظر الصور في الصفحة الموالية ) وقصر تازروت (الصخرة) أو تحمل أسماء قبيلة منحلة كقصر سارت الذي يعتقد أنه مشتق من اسم القبيلة الصنهاجية سرتة التي كانت تستوطن المنطقة خلال العصور الوسطى"1.
1-2       - تعريف الاتفاقيات :
يمكن تعريف الاتفاقيات بأنها عبارة عن رسوم تعاقدية بين طرفين أو بين أطراف متعددة، و تتجلى أهمية هذه الاتفاقيات في كونها تسمح للباحث في التاريخ الاجتماعي لواحة درعة باستجلاء مراحل التطورات السياسية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة منذ التشكيل النهائي لاتحادية أيت عطا خلال النصف الثاني من القرن 17م إلى غاية مطلع القرن العشرين،" حيث ظلت قبائل هذه الاتحادية خلال هذه الفترة مصدر تعب و مشقة للقواد المخزنيين، و مصدر رعب و فزع لسكان قصور درعة "2 الأمر الذي جعلهم كثيرا ما يلجئون إلى التعامل بالاتفاقيات لتنظيم علاقاتهم مع القبائل المترحلة من جهة و لحماية مصالحهم الخاصة من جهة أخرى.
     " و لن نبالغ في شيء إذا قلنا أن هذه الاتفاقيات تعتبر من الوثائق التي تعكس إلى حد كبير السلوك النفسي و الاجتماعي للمجموعات البشرية المتساكنة داخل القصور بدرعة، وإذا كانت الصيغ العامة لهذه الاتفاقيات و تحديدها الوصفي لا يخرج عن الإطار العام للعقود التعاملية و دورها في تنظيم العلاقات العامة لأي تجمع بشري، فإن التحديد الوظيفي لهذه الاتفاقيات و وضعها ضمن حـركية التاريخ القبلي، اسـتلزم وضع تـحديـد نوعـي لأصـنافهــا إذ لكل صنف من هذه الأصناف دوره الخصوصي في تنظيم الحياة القبلية، وقد أمكننا تحديد فم القصر القديم لأغلا ودرار 
·           الاتفاقيات التكليفية: التي تعقد عادة بين بعض الزوايا و مجموعة من القبائل المترحلة، أو بين هذه الأخيرة و بعض قصور "أدراوة"و قد سمحت هذه الاتفاقيات التكليفية لبعض قبائل أيت عطا و أيت سدرات بالتحول من الانتجاع إلى الاستقرار والارتباط بالأرض.
·           الاتفاقيات الصلحية و اتفاقيات تيسى*: " كانت هذه الاتفاقيات تعقد بين قبيلتين أو بين مجموعة من القبائل يجمعها لف واحد أو تنضوي تحت لفين متعارضين "2 لوضع حد لحالة من الحروب القبلية و لا يظهر هذا النوع من الاتفاقيات إلا في أوقات الفراغ السلطوي بالمنطقة ، عندما يحتد الصراع على المنتوجات الزراعية ، فيتطلب الوضع عقد اتفاقية صلحية لإنقاذ ما يكن إنقاذه.
2-2      -الاتفاقيات التنظيمية :
  "الاتفاقيات التنظيمية هي الاتفاقيات الداخلية التي تنظم بمقتضى بنودها و شروطها الشؤون العامة لقبيلة القصر، و يتم عقد هذه الاتفاقيات عادة بين ممثلي مختلف العظام الذين يشكلون "جماعة القصر " ، و مما لا شك فيه أن هذه الاتفاقيات كانت تعد من المرتكزات الأساسية عند قبائل القصور بدرعة خلال القرن 19 و إلى غاية دخول المنطقة في عهد الحكم الفرنسي مع بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، إذ كانت بنود هذه الاتفاقيات وشروطها قاعدة التسيير السياسي والاجتماعي و تنظيم الحياة العامة داخل القصر "3.
         والاتفاقيات التنظيمية في إطارها الخارجي عبارة عن لائحة من الشروط والضوابط العرفية تتفق جماعة القبيلة على وضعها و بمجرد كتابة هذه الضوابط تصبح بمثابة قانون داخلي يسري مفعوله على كل سكان القصر و تجدد شروط هذه الاتفــاقيات
في كل قصر على رأس كل سنة أو سنتين مع تجديد أعضاء الجماعة و اختيار الشيخ، وقد تحدد في وسط السنة في ظروف استثنائية إذا ما دعت الضرورة إلى ذلك و قد يعمد الشيخ إلى تغيير بعض الشروط أو إضافة شروط أخرى حتى تكون الاتفاقية في مستوى المستجدات اليومية وما قد يطرأ من مشاكل بين سكان القصر، " وتحرص الجماعة على أن تكون بنود الاتفاقية وشروطها شاملة بحيث تتطرق لمختلف القضايا اليومية والمخالفات المؤكد أو المحتمل وقوعها وهي على كل حال قضايا عادية جدا و تنحصر في السلوك الفردي أو الجماعي لأفراد القبيلة و ما يرتبط بهذا السلوك من نزاعات في وسط تتسم إنتاجيته الاقتصادية بالقلة وما يقع من مخالفات تمس هدنة الجماعة واستقرار القبيلة كالسرقة في المنازل و الحقول ومضايقة نسوة القبيلة داخل أسوار القصر أو خارجه"1.

        وتحدد الجماعة " أنصافا" *معينا ، عن كل مخالفة أو كل نزاع وهو قدر مالي يتناسب مع المخالفة المرتكبة يؤديه الجاني فورا دون انتظار، زجرا له و لغيره من سكان القصر. و إذا ما تكررت المخالفة من إنسان بعينه، فإن الاتفاقية تنص على عقوبة ردعية، تتناسب أيضا مع الجرم المرتكب و المكان الذي ارتكب فيه، فإذا كانت الجناية داخل أسوار القصر فالعقوبة تكون أشد صرامة للحرمة التي يتمتع بها القصر.

 وتختلف العقوبات الردعية من قبيلة إلى أخرى، و في هذا الصدد ندرج مثال للحكم بالعرف المتبع عند أيت عطا (أيت عيسى)2 و العرف المتبع لديهم لفض أي نزاع هو كالتالي:

        يقوم الشيخ بانتداب ممثلين عن كل ثلث من أفراد القبيلة وفي حالة توصل هذه اللجنة إلى اتفاق في القضية المطروحة، فالنزاع يتم فضه نهائيا، و في حالة عدم الاتفاق، ينتدب الشيخ ممثلين عن كل ثلث بنفس الطريقة، و يمكن لهذه الحالة أن تتجدد 3 مرات، و في حالة استمرار اختلاف الآراء يقوم الشيخ بعقد جمع عام لكل المنتدبين الذين سبق اختيارهم ويصـدر الحكم باتفاق الأغلبية، وهذا العرف غير مدون وإنما ثم توارثه عبر الأجيال حتى الآن:

            - من اتهم أحدا بالسرقة كيفما كانت نوعيتها يتعين عليه الإدلاء بعشرة شهود يؤدون القسم.
           - و من أنكر السرقة أو قام بالاعتداء يطلب منه الإدلاء بالقسم.
            - و من تبتت عليه:
·     سرقة بغلة يؤدي 3 مثقالات عن كل ليلة قضتها البغلة في حوزته.
·     سرقة جمل يؤدي مثقالين عن كل ليلة.
·     سرقة حمار يؤدي ستة قروش عن كل ليلة
·     سرقة بقرة يؤدي مبلغا متفاوتا حسب عدد آثار قوائمها التي خلفتها.

        ومن تبث عليه قتل نفس بغير حق ينفى صحبة 10 من أفراد أسرته إلى خارج البلاد، وإذا قبل أهل المقتول الدية فقيمتها هي 300 خروف و 16 مثقالا.
          - ومن فقأ عين أحد أو قطع يده يؤدي نصف الدية أعلاه.
          - ومن كسر أسنان غيره ( النواجذ) يعطي له ناقة. 
          - ومن كسر أسنان غيره ( أنياب) يعطي له بقرة.
          - ومن كسر أسنان غيره ( أضراس) يعطي له خروفا.
           - ومن اقتحم بيت غيره بنية الإجرام يعزم ب 32 خروفا لكل مدخل( باب ) ويطبق هذا الحكم على 3 أبواب فقط، و ما فوقها يقوم بإصلاح الأضرار الناتجة عن ذلك .
  والمرأة في العرف العطاوي لا ترث في حالة تواجد الذكور في العائلة، غير أنها يمكن أن ترث في الحالات التالية:إذا كانت عمياء أو غير متزوجة أو محتاجة، أما إذا كانت متزوجة فإن نصيبها يحتفظ به كأمانة عند أقرب أقاربها من الذكور و لا يسترد إلا عند موتها حيث يسلم إلى أطفالها الذكور، و في حالة عدم وجود الذكور يرثها أقرب أقاربها من الذكور.
والثمن الذي ترثه عن زوجها تحتفظ به إلى أن تموت فيرثها أبناؤها الذكور و في حالة عدم وجودهم فيرثها أقرب أقاربها.
         - المرأة التي تهرب من دار زوجها و تلجأ إلى بيت أهلها، و لم يتقدم زوجها لمطالبتها بالعودة في غضون 3 أشهر (العدة) فإنه يقدم لها يوميا وجبة (الفطرة) 4 أمداد من الشعير وفي حالة وضعها لحملها ببيت أهلها أثناء هذا الفراق، يقدم لها ثمانية وجبات (الفطرة) من الشعير و شاة و 3 أرطال من السمن و قيمة ريال من الزيت والحناء وإزار واحد.
هذا إذن هو العرف المتبع عند قبيلة " أيت عيسى " كما أوردته عدة روايات شفوية.
        و قد استمر العمل بالاتفاقيات التنظيمية عند قبائل وادي درعة إلى ما بعد توقيع معاهدة الحماية بحوالي 20 سنة، ذلك أن الفرنسيين لم يتمكنوا من بسط سيطرتهم على واحات درعة بصفة نهائية إلا في أواسط الثلاثينات من القرن العشرين.

        و هكذا يمكن القول أن الاتفاقيات التنظيمية هي الثابت الحاضر في الحياة اليومية لقبائل القصور و إذ بفضل هذه الاتفاقيات استطاعت قبائل القصور أن تحافظ على تماسكها الداخلي و على نوع من التوازن في إطار الممارسة الجماعية لشؤون "مؤسسة القصر" و قد كان المخزن يتغاضى على التعامل بهذه الاتفاقيات مادامت بنودها وشروطها لا تتصادم مع الشرع و لا تتعارض مع الأوامر المخزنية.

  3- المنطقة في ظل الاستعمار الفرنسي :

        إن الحديث عن استعمار واحة فزواطة من طرف فرنسا، لا يمكن فصله عن باقي واحات درعة و بالتالي وادي درعة بصفة عامة ذلك أن الاحتلال الفرنسي مس مجمل نطاق وادي درعة ككل دون تحديد منطقة خاصة، هذا الاحتلال استمر من سنة 1927 إلى 1932م

 " في البداية اعتمد الكلاوي لتركيز نفوذه بالمنطقة على مجموعة من الأعيان (إمغارن أو الشيوخ) الذين احتلوا قمة الهرم الاجتماعي المحلي، حيث اعتمد عليهم الجهاز الاستعماري لاحتلال المنطقة، و نذكر من بين هؤلاء الذين لعبوا دورا في تركيز نفوذ الكلاوي بالمنطقة أولا ثم النفوذ الفرنسي ثانيا:

               الحسن أوداود شيخ أيت حسو في فزواطة"1.

       " و هكذا خلقت إدارة الحماية قوة، بفضلها أمكن إخضاع مناطق شاسعة في الجنوب لسيطرتها، وقد كون الأعيان فئة مساندة للاحتلال الفرنسي و كانوا مقابل ذلك يتلقون أوسمة فرنسية ويحسون بذلك أنهم يشكلون جزءا من فرنسا "2.

        ومنح ليوطي لهؤلاء الأعيان كامل الحرية في التصرف تجاه السكان حيث رفض منذ بداية الحماية تحديد سلطاتهم، لأنه كان يعتبر أن نجاح فرنسا في الجنوب يرتبط بهؤلاء القواد و الباشوات، حيث استقطبتهم سلطات الحماية و منحتهم امتيازات خيالية الشيء الذي زاد من وزنهم داخل جماعتهم و معارضتهم للحركة الوطنية، و قد كان "التهامي الكلاوي" من أبرز هؤلاء الأعيان، الذي انحاز هو وأخوه " المدني الكلاوي " منذ الوهلة الأولى إلى سلطات الحماية و ساهما بشكل فعال في تركيز النفوذ الفرنسي على الجنوب المغربي.

      و قد التجأ الكلاوي إلى عدة أساليب لتركيز حكمه بدرعة نذكر من بينها الأساليب التالية:

       - الأسلوب الأول إضفاء الشرعية على تدخله إذ منذ المجابهات الأولى التي حدثت بين الكلاوي و أيت عطا على الخصوص حاول الكلاوي أن يقدم نفسه كممثل للمخزن المغربي، ولهذا حاول تجنيد العلماء و الفقهاء لتصفية الانتفاضة الشعبية، وحاول تأليب الرأي العام المحلي ضد المقاومة، و في هذا الصدد تحالف مع عالم الزاوية الناصرية المشهور بتودغى " محمد المهدي الناصري"والذي ساند الكلاوي مساندة تامة.

       - الأسلوب الثاني الذي قام به الكلاوي هو" سياسة الأعيان و الذي استوحاه من الفرنسيين، وهكذا سعى إلى جلب أعيان درعة سواء أعيان " أيت عطا " و أعيان " دراوة" والقبائل المجاورة الأخرى وكان محمد بلفاطمي الذي استقر برباط تنزولين من أكبر حلفاء الكلاوي حيث مده هذا الأخير بحامية عسكرية والدعم المادي الضروري، وذلك لمد نفوذ الكلاوي إلى درعة و مكنت هذه السياسة من جلب مجموعة من الأعيان الذين دعموا نفوذ الكلاوي ليس في درعة وحدها بل في كل الواحات "1. 

       - الأسلوب الثالث، أسلوب التضليل و الديماغوجية، إذ كان يقدم نفسه كمدافع عن السكان لكسب تعاطف المستقرين، ولهذا كان يدعو السكان للتطوع في حركاته بقصد الدفاع عن ممتلكاتهم وحريتهم من شر الرحل كما ورد في عدد من رسائل الكلاوي إلى خليفته بدرعة محمد بن الفاطمي.

      و إلى جانب هذه الأساليب قام الكلاوي وبدعم عسكري من الجيوش الاستعمارية بمجموعة من الحركات إلى درعة و كانت رئاسة هذه الحركات تستند إما إلى خليفته  "حمو" أو أحد أقربائه و كانت هذه الحركات فرصة لنهب القبائل و إخضاعها بالقوة العسكرية بالإضافة إلى ذلك كان الكلاوي حمو قائد تلوات و ورزازات و زاكورة ينهج أسلوب التطويق والخناق والتدمير الشامل.

        وقام كذلك الكلاوي بفرض نظام ضريبي أطلق عليه " الفرض" و في هذا الصدد كلف خلفاءه و أعوانه بجرد ممتلكات السكان وإخضاعها للضرائب فأصبحت القبائل في درعة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بأداء هذه الإتاوات و الجبايات في وقتها كما كان عليهم المساهمة في اقتناء الهدايا التي تقدم للباشا خلال المناسبات الدينية و العائلية.

      بالإضافة إلى هذه الضرائب أصبحت القبائل مطالبة أكثر من أي وقت مضى بجلب المواد الضرورية لبناء القصبات للأعيان الذين نصبهم الكلاوي كما أصبحت مطالبة بتقديم أعمال مجانية في أراضيهم، وولد ذلك استياء عاما لدى القبائل التي انتفضت ضد سياسة الكلاوي ليس فقط لأنه يمثل الاستعمار الفرنسي و لكنه أيضا بسبب الضغوط الضريبية المتعاظمة و إخضاع الفلاحين لأشكال الابتزاز.

        " و هكذا فلم تكن سنة1927 حتى تقلص نفوذ الكلاوي في درعة و كل المناطق التي احتلها بالواحات المحاذية مما استدعى تدخل القوات الفرنسية التي بدأت في احتلال مناطق نفوذ الكلاوي "1.

        و قد حاولت القيادة العسكرية نهج ما تسميه " التغلغل الهادئ" بتطبيق سياسة ليوطي في التوسع التي لخصها في الانتشار والتوسع مرحلة بمرحلة بتشتيت القبائل وهو ما أطلق عليه "بقعة الزيت" و هذه السياسة تعتمد أيضا على استعمال القوة العسكرية مع تجنب الخسائر في أرواح الفرنسيين، ولهذا كانت الجيوش الاستعمارية مكونة من السنغاليين والجزائريين والمغاربة، وهذه الجيــوش مؤطـرة من طرف الضباط الفرنســيين، ويعد "جورج سبيلمان" من أبرز الضباط العسكريين الذين أطلق عليهم العلماء العسكريين إذ لا تنفصل لديهم الوظيفة العلمية عن الوظيفة العسكرية أمثال القبطان " روبير مونطاي" و القبطان "جوستينار" الذي كان يطلق عليه " القبطان الشلح"لانصهاره في مجتمع سوس لمدة ثلاث سنوات في إطار التجسس دون إثارة الانتباه لكونه يتقن الأمازيغية.

وفي إطار احتلاله لدرعة سارع سبيلمان إلى إنشاء مكتب الشؤون الأهلية بورزازات سنة 1928 قرب قصبة الكلاوي وأنشأ مكتب آخر بأكذز يوم 1 يناير1930 وعين سبيلمان على رأس هذا المركز و قد سبق هذا التعيين قيام الضابط المعروف لدى السكان باسم "سبيلمــان" بعدة اتصالات مع أعيان "أولاد يحــــي " و " مزكيطة" الذين استقطبهم وقد لعب هؤلاء الأعيان دورا في التشتيت السياسي للقبائل، و هكذا أصبح بإمكان سبيلمان احتلال واحات درعة إلى حدود زاكورة التي تم احتلالها يوم 10 يناير1932 و يصف الكولونيل "صولاي " هذا الحدث بقوله " وقد تم تجميع فرق الكوم
  
10 ، 20 ، 25، 34برباط تنزولين تحت سلطة الكولونيل " شاردو "1، وتقدمت هذه الجيوش لاحتلال زاكورة يوم 10 يناير 1932 ، وتم استقدام الجماعات القبلية لكل من ترناتة و فزواطة. التي قدمت الولاء و الطاعة أمام الجنرال كاترو وباشا مراكش سيدي الحاج التهامي الكلاوي الذي وصل في نفس اليوم بواسطة الطائرة قادما من مراكش"2.، وقد كان احتلال زاكورة التي أصبحت مركز الشؤون الأهلية إيذانا باحتلال مختلف واحات درعة بما فيها فزواطة موضوع البحث. 

" بعد احتلال زاكورة حل قائد مقاومة تافيلالت بمنطقة كتاوة يوم 18 يناير1932 ومعه 150 مقاوما، وتمكن من جلب حوالي 600 مقاوم آخرين من كتاوة فأخذ بلقاسم النكادي يعد العدة ليقذف بآيت حمو و آيت خباش في وجه الفرنسيين على درعة.

        وظل المقاومون يواجهون القوات الفرنسية و لم تضعف عزيمتهم مطلقا، و لم يستسلموا نهائيا إلا في مارس 1934 بعدما أحكم الجينرال GIROUX السيطرة على الأطلس الصغير وأصبح المقاومون محاصرين من كل جهة، ولم يعد بإمكانهم استدراج القوات الاستعمارية إلى المسالك الوعرة لتسديد الضربات إليها"3

و هكذا شكل احتلال درعة والواحات المجاورة لها نقطة تحول بالنسبة لقبائل أيت عطا وغيرها من القبائل المقاومة،  ذلك أن احتلال درعة لم يسهل مهمة الجيوش الاستعمارية كما كانت تتوقع القيادة الاستعمارية إذ أن هذا الاحتلال ساهم في تنمية الشعور المعادي للاستعمار كما أكسب هذه القبائل حنكة و تجربة.
http://ouhra1055.arabblogs.com/ouhra1055/archive/2009/6/885618.html

1 - الأنصاري عبد العزيز :  رجل تعليم باحث في الثاريخ: عرض بعنوان "دليل درعة" ألقي في نطاق الأيام السياحية والفلاحة لزاكورة بتاريخ 5 نونبر 1981 ص:3.
*- نسبة إلى درعة و منها درعي و دراوي، و يذكر مؤرخو هذه المنطقة أن ذرعة بالدال المعجمة، لأنها ذرعت بالذراع لتحديد الخراج المضروب عليها، أنظر ذلك حول ما قيل عن سكنى المسلمين و اليهود في هذه المنطقة حقبا طويلة. " تاريخ وادي درعة " لمؤلف مجهول ونقل عن م. الناصري  في الرياحين ص:81-80.
1 - الأنصاري عبد العزيز:مرجع سابق ص:3

2 - محمد بن موسى المكي الناصري " طليعة الدعة في تاريخ درعة "- مخطوط بالخزانة العامة الرباط قسم الوثائق د 3786- ص:6
3 - الأنصاري عبد العزيز: مرجع سابق ص:4.
1 - محمد حجي : " الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين " مرجع سابق ص : 237.
2 - محمد المنوني : " حضارة وادي درعة من خلال النصوص و الآثار" مجلة دعوة الحق، العدد 2، السنة السادسة أكتوبر1973ص : 132               
3 – الأنصاري عبد العزيز، مصدر سابق ص 6.
1 - أحمد البوزيدي " التاريخ الاجتماعي لدرعة من مطلع ق 17 إلى مطلع ق 20 م" ص: 67 - دراسة في الحياة السياسية والاقتصادية –بدايات أفاق متوسطية مؤسسة الملك عبد العزيز الدار البيضاء 1994.
2 - التقي العلوي:" أصول المغاربة.....دور الاتحاديات الأطلسية "، مجلة البحث العلمي عدد1974/23 ص:118











*" تيسى " : لفظ أمازيغي و يعني في الأصل الحماية و يعتقد أنه مشتق من لفظ " تاكسا " الأمازيغية و تعني الحماية و الرعاية
 .2- تتجمع قبائل درعة في لفين كبيرين هما: ملول وحبوب، انظر: المختار السوسي:" اليغ قديما وحديثا "- الرباط – 1966 ص: 239.
3- احمد البوزيدي " دور الاتفاقيات في تنظيم... " مرجع سابق.
1 - أحمد البوزيدي : " دور الاتفاقيات في تنظيم العلاقات داخل القصور بدرعة " مرجع سابق ص:90.
* - الإنصاف معناه إعطاء الحق كما في لسان العرب مادة "نصف" و قد كان العمل جاريا بالانصاف بالجنوب المغربي منذ عهد السعديين.
2- أنظر ملحق الوثائق: وثيقة رقم: 1.
1  -Spillman G. : "Les Ait Atta du Sahara et la pacification du haut DRAA" Rabat-1936 F.Moncho  pub:HEM

2  -:"Elglaoui ,dernier seigneur de L'atlas ¨Ed . Fayard 1968 p: 118.   GAVIN MAXWELL

1 - عبد القدر بو راس:" احتلال درعة نموذج لتطبيق سياسة ليوطي في التوسع و الاحتلال " ندوة حوض درعة ص:177 منشورات كلية الآداب جامعة ابن زهر، أكادير.
1 - عبد القادر بوراس: مرجع سابق ص:181.
1 - أنظر ملحق الوثائق: وثيقة رقم: 2.
2 - عبد القادر بوراس: مرجع سابق ص:.188
3 - عبد القادر بوراس: مرجع سابق ص:191-190.









إرسال تعليق

 
Top